فخر الدين الرازي
424
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في تفسير قوله : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وجوه : قال الحسن : ثقل مجيئها على السماوات والأرض ، لأجل أن عند مجيئها شققت السماوات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار ، وقال أبو بكر الأصم : إن هذا اليوم ثقيل جداً على أهل السماء والأرض ، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب . وقال قوم : إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من اللَّه في مثل هذا اليوم شديد . وقال السدي : ثَقُلَتْ أي خفيت في السماوات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها . وقال قوم : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السماوات والأرض ، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله ، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر اللَّه تعالى به أنه يثقل عليهم . ثم قال : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً وهذا أيضاً تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق . وعن النبي صَلَّى اللَّه عليه وسلّم أنه قال : « إن الساعة تفجأ الناس ، فالرجل يصلح موضعه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوم بسلعته في سوقه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه « وروى الحسن عن النبي صَلَّى اللَّه عليه وسلّم أنه قال : « والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك » . ثم قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الحفي وجوه : الأول : الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي : يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفياً ، والحفي الكلام واللقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا أي باراً لطيفاً يجيب دعائي إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم / وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي ، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشاً قالت لمحمد عليه السلام : إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة . فقال تعالى : يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم . والقول الثاني : حَفِيٌّ عَنْها أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها ، وعلى هذا القول حَفِيٌّ فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال ، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه ، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة ، أي استقصى . فقوله : كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها . قال صاحب « الكشاف » : هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، وإحفاء البقل استئصاله ، وأحفى في المسألة إذا ألحف ، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، وعلى هذا التقدير : فالقولان الأولان متقاربان . المسألة الثانية : في قوله : عَنْها وجهان : الأول : أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير : يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله : « بها » لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه . والثاني : أن يكون التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود ( كأنك حفي بها ) .